الصفحة الرئيسية عن المعرض طاقم المعرض فعاليات أخرى زيارة العرض ألبوم الصور إتصلوا بنا
غبار الصراع - د. بشير مخول، عيسى ديبي وعوديد شمشون
غبارالصراع. بالنسبة إلينا نحن الثلاثة الذين تعاونّا لإنتاج هذه المنشورة والمعرض الذي ترافقه، تسير هاتان الكلمتان، بشكل أو بآخر، سويةً. فإحداهما مرتبطة بالأخرى وبعملنا الفنّيّ ضمن المشهد الفلسطيني/الإسرائيلي الذي نسمّيه ثلاثتن
نَص: عوديد شمشون
غبار وصراع. بالنسبة إلينا نحن الثلاثة الذين تعاونّا لإنتاج هذه المنشورة والمعرض الذي ترافقه، تسير هاتان الكلمتان، بشكل أو بآخر، سويةً. فإحداهما مرتبطة بالأخرى وبعملنا الفنّيّ ضمن المشهد الفلسطيني/الإسرائيلي الذي نسمّيه ثلاثتنا: البيت.
نحن نشعر بالحبّ نحو نفس الأرض، نفس الفضاءات ونفس الأمكنة. وبالنسبة إلى كلّ واحد منّا فإنّ الوقوف على، والتقاط مشهدنا الخاصّ من الأرض المغبرّة بواسطة آلة تصوير، هما فعل تملّك وادّعاء للحقّ على مشهدنا البيتيّ.
لكن، في كل مرة كنا التقينا فيها للعمل على معرضنا المشترك، أو لوضع خطوط هذه المنشورة، كانت نقاشاتنا تأخذ منحًى آخر. كانت فترات صمتنا تعبّر عن الحقيقة العارية: طالما أنّ الغبار لم ينقشع، فإنّ أحدنا مرحّبٌ به على الدوام في مشهدنا البيتيّ، بينما يجد الآخران أنّ رحلتهما تصبح أكثر صعوبة في كلّ زيارة.
* * *
نحن الثلاثة من رقعة أرض تقع شمالي دولة إسرائيل الحديثة. وهي منطقة تنحصر بين منحدرات الجليل الأعلى الشّاهقة التي تربط سلسلة جبال الكرمل جنوبًا بالحدود اللبنانية شمالاً، فاصلةً هذا القطاع الشمالي عن سائر المنطقة. هذه المنحدرات، عبر هبوطها بالتوازي من الشرق نحو الغرب وسقوطها في مياه البحر الأبيض المتوسّط، تحدّد الأفق من على ثلاث جهات للمنطقة. أما من الجهة الرابعة فإنّ المشهد يختلف: إنه البحر، خطّ أزرق منبسط يحيط بهذه الناحية. خلف البحر، هناك أوروبا، حيث اختار كلّ منّا العيش في فترات مختلفة ولأسباب مختلفة.
وفي داخل هذه الرقعة المحصورة، هناك الغبار المضطرب العالق بين الأرض والسماء.
كأفرادٍ، يقوم كلّ واحد منّا باختبار ارتباطاته الفكرية، الثقافية، الشعورية والحسّية بالأرض نفسها. نحن ننتمي إلى تاريخين مختلفين وثقافتين مختلفتين. ففي البيت، مع أهلنا وأخوتنا وأخواتنا، نحن نتحدّث بلغتين مختلفتين.
عيسى وبشير هما فلسطينيّان ينتميان إلى عائلتين موسّعتين محلّيّتين. أسلافهما، بكونهم منزرعين في الأرض على امتداد أجيال، هم جزء لا يتجزأ من هذا المشهد. أما عوديد فهو من الجيل الأول، ولد في هذه الأرض لمهاجرين يهود من ألمانيا، جاءوا خلال الثلاثينيات. بشير هو من قرية مخول القديمة، عيسى من مدينة حيفا العتيقة، وعوديد نشأ في نهريا، بلدة صغيرة حينذاك على الساحل المتوسّطي الشّمالي للجليل الأسفل.
لقد عشنا جميعًا تجربة التغيّر في المشهد حين بدأ معمار وهندسة الاستيطان يظهران للعيان تدريجيًا، ليصيبا المنحني وغير المنتظم بالتآكل، ويستبدلاهما بالمستقيم، الدقيق والصناعي.
كالعديد من البلدات في إسرائيل، فإنّ بلدة عوديد تشهد على حسّ الانتماء الألماني/الأوروبي الذي حاول المستوطنون الجدد إحياءه على الأرض: فقد تمّ بناء نهريّا تبعًا لمفاهيم "الباهاوس" المعمارية، ومحاكاةً للتوجّه المركز-أوروبي في تخطيط المدن.
كالعديد من البلدات في إسرائيل، تشتمل تخوم مدينة نهريا على بقايا عدد من القرى العربية المدمّرة. لقد علا الغبار حين حُفرت هذه الأساسات الأولى، وهو يرفض أن ينقشع ويهدأ لأن بلدة جديدة راحت تمتدّ لتمسّ بقرى عربية تجاورها.
إنّ هذا المشهد المتنازع عليه هو بيتنا. وعلى الرغم من خلفياتنا المختلفة، فحين نلتقي في بريطانيا نشعر بتفاهم متبادل، برباطٍ ما. بوسعنا جميعًا التعبير عن شعور بالافتقاد فيما يتعلّق بأرضنا المشتركة: الضوء، الروائح، تغيّرات الفصول النابضة بالحياة، وذلك الساحل المتوسّطي والأفق الأزرق الذي لا يعوَّض. إننا نفهم الواحد رغبة الآخر في أن يكون مع "ناسنا"، مع أن هؤلاء الناس مختلفون جدًا.
لكن، مرّة أخرى، إنّها الحقيقة الحاسمة: شعور الانتماء بالنسبة لأحدنا يتأثّر بالواقع السياسي والاجتماعي الذي يقابله بالترحاب في البيت، بينما بالنسبة للآخرَين، فإنّ هذا الإقرار غائب بشكل متعنّت، وهو يبتعد بشكل متزايد أكثر فأكثر.
* * *
نحن نتقاسم نفس الرحلة الفكرية وتلك الملموسة، أيضًا. كلّنا بدأنا دراستنا الفنية في إسرائيل، تابعنا الدراسة في الخارج، وفي الختام بنينا مهنتنا كفنّانين وأكاديميين في بريطانيا.
لم يسبق لنا أن سافرنا، ثلاثتنا، إلى مشهدنا البيتي سوية. لكنّ نقاشاتنا كشفت، المرّة تلوَ الأخرى، أنّنا جميعًا نحمل التوجّه نفسه نحو "العودة". إلى جانب التحضيرات العادية للرحلة ولقاء العائلة والأصدقاء القدامى، وجّه كلّ منا تفكيره نحو الصور والمناظر التي سنعمل عليها خلال الزيارة. فقد بدأت سيرورة تجميع الصور والمناظر في مشهدنا البيتي قبل أن نغادر بريطانيا. وقد توقّعنا، فور ملامسة المشاهد التي نرغب في تصويرها، رؤية الضوء والألوان التي سنواجهها.
إنّ جملة "سأعود حالاً، أحتاج إلى الخروج والتصوير"، هي جملة قلناها مرّة على الأقلّ خلال كلّ زيارة. إنه شيء يجب القيام به بخصوص الحاجة في ترسيخ أقدامنا على بقعة من الأرض، اختبار نقطة عينيّة في الأرض، والكشف عبر آلة التصوير لكيفية تأمّل عيوننا المشهدَ: "هذا هو الشكل الذي كانت أرضي عليه في ذلك الزمان، وفي ذلك المكان، حين كنت مقابل هذا الاتجاه".
* * *
نحن مختلفون في أسلوب استخدامنا التصوير. عيسى وبشير يتعاملان مع المناظر التي يجمعونها كمادة خامّ ضمن سيرورة لإعادة تصنيعها. وهكذا، فإنّ المادة المصوّرة تتحوّل إلى عنصر قوامُه أثَرٌ يُنسج داخل عملهما الفنّيّ. كفنّانين مشهورين عالميًا، فإنّ حساسيّتهما مستمدّة من تقاليد الرسم. ومن الجهة الأخرى، فإنّ أعمال عوديد ضاربة بجذورها في تاريخ المشهد التصويريّ.
فيما يتعلّق بأساليب أخرى، فنحن متشابهون. جميعنا نعمل على، ونصوّر مناظر "غير معروفة". نكشف ما كان في العادة مهملاً، نمنح اعتبارًا لغير المهمّ، أو لما لم يُعرْ أيّ اهتمام محدّد. جميعنا يعترينا القلق على المناظر التي لا يُنظر إليها كمركزية، قياسًا برواية "الصراع" في إسرائيل/فلسطين. إن هذه المناظر هي المادة الخام لعملنا – الأطر التي نعبّر من خلالها عن أفكارنا وننطق منها بوجهات نظرنا. على الرغم من اختلاف تأثّراتنا وتقاليدنا الفنيّة، فإنّنا جميعًا نستقي نسيجنا من لفّة خيوط مشتركة. من خلال صورنا، نحن نسأل عن الطريقة الذي يتمثّل فيها هذا المشهد، مشهدنا، على امتداد أجيال عديدة.
حتى في حين يتواصل انتشار الغبار في كلّ مكان، فإن إثارة نمط مختلف من الغبار هو ما يقوم به كلٌّ منّا كفنّان. إنّنا نحاول طرح أسئلة حول ما هو متعارف عليه من تمثيلات مترافقة مع هذا المشهد.
نحن نعمل، كفنّانين، في هذا المشهد خارج الإحساس بالمسؤولية – الاهتمام بالكيفية التي تتمثل بها بيوتنا. فنحن، بأسلوبنا الخاصّ، نتحدّى وجهة النظر التي لا ترى في مشهدنا أكثر من وعاء تروي من خلاله قصّة عن الحرب.
إنّه مشهد تتألف طبقاته من حجج متنازعة حول الملكيّة، مترسّخة في الوحل ويصارعها الآخرون بحججهم الخاصة. إنّ أشواق الشعبين إلى بيت هي طبقات تتراكم الواحدة فوق الأخرى، ومصدر للمزيد من الصراع والغبار.
كلّ واحد منا يؤلّف، من خلال عمله الفنّي، حجة جديدة بشأن أهمية هذه المعالم غير الجديرة بالذكر، تلك التعابير في المشهد التي تقول: "أنا أيضًا أنظر إلى هذه كبيت".
* * *
إن ذاكرتنا لهذه الأرض متشابهة، أيضًا. في كلّ صيف نرى الأرض الجافة نفسها، نعيش تجربة التكاسل نفسها حين نعود في حرّ الصيف، ونتوارث عن أهلنا نفس الرغبة في معرفة متى سيعود المطر. بالنسبة لكلّ واحد منا، كان المطر بشرى – بتنظيف الغبار من الجوّ، بغسل الأشجار وباستبدال البنايات البيضاء والرمادية بالأخضر. فالمطر يقدّم في لمحات منظرًا خاطفًا وجيزًا من دون غبار.
وسط تلك اللمحات شعرنا جميعًا أنّنا، لربّما، نعرف كيف سيبدو مشهدنا حين ينتهي الصراع.
إنّ تنظيف الغبار وجعله يترسّب على الأرض هو أمر يخصّ العثور على أرض مشتركة. يبدأ هذا بمعرفة أن بلادنا كلّها، وليس تلك الرموز الأيقونيّة للصراع فحسب، تتحدّد عبر نزاعات على الملكيّة، حيث أنّ كلّ بيت مبنيّ حيث قام الآخر مرّة، وحتى حيثما لم يكن هناك بيت ملموس، كان هناك المشهد دومًا – احتمال الوقوف، النظر، الرؤية، واحتمال أن يكون هناك شخصٌ يحدّق في المشهد الذي يشعر به كأنّه بيت له. إن هذا يبدأ من الاعتراف والإقرار بأنّ العيون المختلفة قادرة على رؤية بيت مختلف في المنظر نفسه.
إنّ تعاوننا في معرض أم الفحم للفنون هو تحدٍّ، ونأمل أن يكون بداية لعمل إضافيّ معًا، وجزءًا من الجهد لجعل الغبار يترسّب على الأرض وينقشع.
04/09/2010