افتتح ندوة خزف ، أيار 2010
كانز المعرض: روعي معيان
إنتاج: معرض الفنون في أمّ الفحم والسيد أندري بورس

مقدمة
فن الخزف من أقدم الفنون، ويمتاز بتقاليد عمرها آلاف السنين. كان العمل بمادةالـ (clay) عرضة دائما لتأثيرات ثقافية خارجية من جهة، وكان وثيق الصِّلة بالمجتمع المحلّي الذي تمّ العمل فيه من جهة أخرى. تتجلّى صِلة الأدوات بالمكان والعصر والمجتمع الذي أنتِجت فيه من خلال طريقة تصميمها، واستعمالاتها، والتقنيات التي استخدمها الصُنّاع والطقوس التي لعبت الأدوات دوراً هامّاً فيها.
اجتذب الإبداع بمادَّة الخزف "النار" دائماً، ليس المقصود طبعاً النار الموقدة التي تحرق الأدوات المصنوعة من الخزف، بل المقصود أنَّها اجتذبت اهتمام المحيط الاجتماعي. على النَّقيض من الحرف الأخرى، تمّ إنتاج الجزء الأعظم من المصنوعات الخزفيَّة، وبالتّأكيد القديم منها، خارج المعمل/المحتَرَف. كان على الخزاف أن يقوم بقطع المادة وتجفيفها في الخارج كي يتمكَّن من تشكيلها، وأن يجفِّف أيضًا الأدوات / التماثيل الجاهزة في الخارج ، وطبعاً حرقها بدرجة حرارة عالية – إمّا عن طريق دفنها (كما في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط) وإمّا في أفران مغلقة.
لقد ازدهرت مدينة أم الفحم بصناعة الخزف، ولا سيَّما في صنع الأدوات التي استخدمت لتلبية احتياجات سكان القرية والمنطقة. نشطت معامل الخزف في المنطقة وتناقلت عائلات الخزافين تقاليد وأسرار المهنة كابراً عن كابر. كما ذكرنا، تم إنجاز القسط الأعظم من العمل خارج المعمل وشكَّل جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع. مع احتلال المنطقة عام 1948 فرَّت عائلات الخزافين من القرية كما حصل في بقيَّة قرى المنطقة، وبذلك اجتثّ هذا التراث العريق. مقابل ذلك قدم إلى البلاد صُنّاع خزف يهود من أوروبا أقاموا مصانع نشطة بل وأحرزوا نجاحاً كبيراً في عقديّ الستينات والسبعينات، وضع هؤلاء على رأس أولويّاتهم نشر الثقافة "الإسرائيلية" في البلاد وفي الجاليات اليهودية في العالم. إذاً كان لفن الخزف دوراً مركزيًا في المجتمعات التي عاشت في المنطقة.
الندوة.. الفنانون المشاركون
ضمن الأحداث المركزية في الندوة، يصل إلى المعرض ثلاثة فنانين من أذربيجان من بينهم فنانة تقليدية تدمج في أعمالها عناصر شعبية مثل الزخم الذي يميز فن وسط آسيا ، وتعدد الألوان من وحي ألوان الأرض، وتصاوير مستوحاة من ثقافة البوب. كما شارك فنان مخضرم مختص بتقنيات الصناعة الخزفية وبناء الأفران، وأيضاً فنان شاب من خريجي أكاديمية باكو، يمثِّل الإبداع المعاصر في المنطقة. تقع أذربيجان، مثل إسرائيل، في الملتقى بين الشرق والغرب وبين التأثيرات الخارجية (الاحتلال السوفييتي الروسي على جميع أبعاده الفنية في أذربيجان والاحتلالات المتعددة في إسرائيل) وبين التقاليد المحلية (الإسلامية واليهودية).
تم إيجاد الصلة مع الفنانين الآذريين (Azeri) بفضل الفنانة كارن كوبليتس، رئيسة قسم الخزف فيUniversity of Southern Californiaالتي زارت أذربيجان مرتين وعملت مع الفنانين المحليين. أثمر هذا التعاون معرضاً في الولايات المتحدة وفي سفارات الولايات المتحدة في العالم. وشاركت كوبليتس في الندوة وتتعاون بطريقتها المميَّزة مع الفنانين المحليين. كما تحضرت الاحتفال الباحثة الثقافيّة والفنّانة نرمين كورا المحاضرة فيRoger Williams Universityفي رود آيلاند وهي من أصل تركي وتعيش في الأردن (في ذلك الحين الضفة الغربية) والتي تلقت إلهامها من الواقع المعيش في الستينات وبحثت العلاقات الثقافية ذات الصِّلة بموضوع الندوة.
الندوة، مضامين وأهداف
عملت الندوة هذا العام على اللقاء بين الفنانين المشاركين فيها. الفنانون الذين تم اختيارهم بعناية، احضرو معهم حملاً عاطفياً، تاريخياً ومادياً. يأتي الفنانون المشاركون في المناسبة من بلدان مختلفة ومن قوميات وديانات مختلفة. وكان لبّ الندوة ، العمل جنباً إلى جنب، العمل المشترك – إذا رغب الفنانون بذلك، الحوار وتبادل الآراء خلال ساعات النهار والليل.
يحدوني الأمل أن يؤدي العمل المشترك في مكانٍ مميَّزٍ ومليءٍ بالسحر والوحي، على سطح المعرض في أم الفحم، إلى رؤيةٍ مغايرة وإلى حوار بين المشتركين. يتيح موقع المعرض إطلالة مشرفة شاملة على المدينة وما يدور فيها من أصوات وحركات وملامح.قضى الفنانون معظم الندوة على السطح ، ويبدو أنه لا بدَّ أن تجد تلك المناظر والأصوات طريقها إلى الأعمال الفنيَّة.
عقد خلال الندوة محاضرات، وجولات في المدينة وعمل مشترك في المعرض. قام مصور فوتوغرافي ومصور فيديو بتوثيق الندوة. عمل الفنانون المشاركون معاً طوال خمسة أيام ، ينامون ويأكلون ويعملون فيها سويّة. هذه الرّؤية التي يتميَّز بها معرض أمّ الفحم للفنون، والتي تستند على تقاليد الضيافة العربيَّة، أثبتتفي مناسبات فنية سابقة أنّ الأعمال التي يتمّ إبداعها في ذات المكان ومن خلال تفاعل شخصي ، تنال بعداً هامّ في الإبداع الشخصي لكل فنان في المستقبل.
بعد الندوة، مع افتتاح الاحتفالات الفنيَّة في البلاد في أيلول 2010،افتتح معرض عرَض فيه أعمال تمّ إنتاجها إثر اللقاء بين الفنانين في أيار. احتوى المعرض على كتالوج.
ملخَّص
تناولت ندوة الخزف التي عقدت في أيار 2010 والمعرض الذي يعقبها، العلاقة المميَّزة للخزف ومنتجيه بالمجتمع والمكان الذي صُنعت فيه. إنَّ الخزف الذي ينتج اليوم في إسرائيل يدمج بداخله جذورًا من تراث المنطقة (ومن جملتها المؤثرات الهامّة التي تلقّاها نتيجة للاحتلالات المتعدّدة، ومنها: العربي، البيزنطي والتركي) وتأثيرات من ثقافة الغرب. هذه المؤثرات التي تبدو لأوَّل وهلة متناقضة تتجلّى بشكل خاص في مجال الإبداع هذا.
في استطاعة هذه النَّدوة، كما في الندوات السابقة التي عقدت طوال الأعوام، إتاحة الفرصة الرائعة لدمج المجتمع المحلي في النشاطات المتعدّدة في إطار المعرض وخارجه، بل وتقوية الصلة بجذور الماضي والفنّ العملي الذي اندثر أو يتهدَّده خطرُ الزَّوال.
روعي معيان ،كانز النَّدوة، نيسان 2010.
10/09/2010










أرسل رداً
طباعة
أرسل الى صديق